الجودة بالتعليم
أهلاً ومرحباً بك زائرنا الكريم فى منتدى مدرسة بيلا الأعدادية بنين
برجاء التسجيل
حتى تتمكن من المشاهدة
والأستمتاع بخدماتنا ( تقويمات - نتائج - شرح - أنشطة - مؤتمرات)
مع تحيات
إدارة المدرسة
أ/ عبدالعزيز عبدالحليم عامر
al_daboon@yahoo.com
دخول

لقد نسيت كلمة السر

المواضيع الأخيرة
» تحميل المواد التدريبية  : المرحلـــة الاعــداديـــة 2018
الثلاثاء نوفمبر 21, 2017 11:31 pm من طرف محمد حسن ضبعون

» نظام التقويم 2017/2018
الأربعاء نوفمبر 15, 2017 12:31 am من طرف محمد حسن ضبعون

» نظام التقويم 2017/2018
السبت نوفمبر 11, 2017 6:58 am من طرف محمد حسن ضبعون

» ماهي الأمور الفنية اللازمة لتهيئة الصف المقلوب؟؟
الأحد مايو 07, 2017 4:56 am من طرف محمد حسن ضبعون

» المحليات - بيلا كفرالشيخ
السبت يناير 28, 2017 5:51 am من طرف محمد حسن ضبعون

» الصف الثالث الأعدادى
الثلاثاء ديسمبر 27, 2016 11:59 pm من طرف محمد حسن ضبعون

» مراجعة علوم الصف الأول الأعدادى
السبت ديسمبر 17, 2016 11:08 am من طرف محمد حسن ضبعون

»  البيان الأول لعام 2016
الثلاثاء يوليو 05, 2016 3:29 am من طرف محمد حسن ضبعون

» تنسيق وتسجيل رياض الاطفال
الأحد يونيو 26, 2016 3:39 am من طرف محمد حسن ضبعون


أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

مُساهمة من طرف أميمة عرفات في الجمعة نوفمبر 25, 2011 1:38 am

أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

قال الله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). (الأنعام: 82)

الحياة كنوز ونفائس .. أعظمها الإيمان بالله . . . وطريقها مناره القرآن الكريم

فالإيمان إشعاعه أمان . . .

والأمان يبعث الأمل . .

والأمل يثمر السكينة . . .

والسكينة نبع للسعادة . . .

والسعادة حصادها أمن وهدوء نفسي . .

فلا سعادة إنسان بلا سكينة نفس، ولا سكينة نفس بلا اطمئنان القلب.

مما لا شك فيه أن كلاً منا يبحث عن السعادة ويسعى إليها، فهي أمل كل إنسان ومنشود كل بشر والتي بها يتحقق له الأمن النفسي.

والسعادة التـي نعنيها هي السعادة الروحية الكاملة التـي تبعث الأمل والرضا، وتثمر السكينة والاطمئنان ، وتحقق الأمن النفسي والروحي للإنسان فيحيا سعيداً هانئاً آمناً مطمئناً.

وليس الأمن النفسي بالمطلب الهين فبواعث القلق والخوف والضيق ودواعي التردد والارتياب والشك تصاحب الإنسان منذ أن يولد وحتى يواريه التراب.

ولقد كانت قاعدة الإسلام التي يقوم عليها كل بنائه هي حماية الإنسان من الخوف والفزع والاضطراب وكل ما يحد حريته وإنسانيته والحرص على حقوقه المشروعة في الأمن والسكينة والطمأنينة وليس هذا بالمطلب الهين فكيف يحقق الإسلام للمسلمين الأمن والسكينة والطمأنينة.

إن الإسلام يقيم صرحه الشامخ على عقيدة أن الإيمان مصدر الأمان، إذن فالإقبال على طريق الله هو الموصل إلى السكينة والطمأنينة والأمن، ولذلك فإن الإيمان الحق هو السير في طريق الله للوصول إلى حب الله والفوز بالقرب منه تعالى.

ولكن كيف نصل إلى هذا الإيمان الحقيقي لكي تتحقق السعادة والسكينة والطمأنينة التي ينشدها ويسعى إليها الإنسان لينعم بالأمن النفسي.Dr. DABOON

إننا نستطيع أن نصل إلى هذا الإيمان بنور الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونور الله هنا هو القرآن الكريم الذي نستدل به على الطريق السليم ونأخذ منه دستور حياتنا . . وننعم بنوره الذي ينير القلب والوجدان والنفس والروح والعقل جميعاً. أليس ذلك طريقاً واضحاً ووحيداً لنصل إلى نعمة الأمن النفسي؟

لقد عُنـي القرآن الكريم بالنفس الإنسانية عناية شاملة . . عناية تمنح الإنسان معرفة صحيحة عن النفس وقاية وعلاجاً دون أن ينال ذلك من وحدة الكيان الإنساني ، وهذا وجه الإعجاز والروعة في عناية القرآن الكريم بالنفس الإنسانية ، وترجع هذه العناية إلى أن الإنسان هو المقصود بالهداية والإرشاد والتوجيه والإصلاح.

فلقد أوضح لنا القرآن الكريم في الكثير من آياته الكريمة أهمية الإيمان للإنسان وما يحدثه هذا الإيمان من بث الشعور بالأمن والطمأنينة في كيان الإنسان وثمرات هذا الإيمان هو تحقيق سكينة النفس وأمنها وطمأنينتها.

والإنسان المؤمن يسير في طريق الله آمناً مطمئناً، لأن إيمانه الصادق يمده دائماً بالأمل والرجاء في عون الله ورعايته وحمايته، وهو يشعر على الدوام بأن الله عز وجل معه في كل لحظة، ونجد أن هذا الإنسان المؤمن يتمسك بكتاب الله لاجئاً إليه دائماً، فهو بالنسبة له خير مرشد بمدى أثر القرآن الكريم في تحقيق الاستقرار النفسي له.

فمهما قابله من مشاكل وواجهه من محن فإن كتاب الله وكلماته المشرقة بأنوار الهدى كفيلة بأن تزيل ما في نفسه من وساوس، وما في جسده من آلام وأوجاع، ويتبدل خوفه إلى أمن وسلام، وشقاؤه إلى سعادة وهناء كما يتبدل الظلام الذي كان يراه إلى نور يشرق على النفس، ويشرح الصدر، ويبهج الوجدان . . فهل هناك نعمة أكبر من هذه النعمة التي إن دلت على شيء فإنما تدل على حب الله وحنانه الكبير وعطائه الكريم لعبده المؤمن.

إن كتاب الله يوجه الإنسان إلى الطريق السليم ، ويرشده إلى السلوك السوي الذي يجب أن يقتدى به . . .يرسم له طريق الحياة التـي يحياها فيسعد في دنياه ويطمئن على آخرته.

إنه يرشده إلى تحقيق الأمن النفسي والسعادة الروحية التي لا تقابلها أي سعادة أخرى ولو ملك كنوز الدنيا وما فيها.

إنه يحقق له السكينة والاطمئنان، فلا يجعله يخشى شيئاً في هذه الحياة فهو يعلم أنه لا يمكن أن يصيبه شر أو أذى إلا بمشيئة الله تعالى ، كما يعلم أن رزقه بيد الله وأنه سبحانه وتعالى قد قسم الأرزاق بين الناس وقدَّرها، كما أنه لا يخاف الموت بل إنه حقيقة واقعة لا مفر منها، كما أنه يعلم أنه ضيف في هذه الدنيا مهما طال عمره أو قصر، فهو بلا شك سينتقل إلى العالم الآخر، وهو يعمل في هذه الدنيا على هذا الأساس، كما أنه لا يخاف مصائب الدهر ويؤمن إيماناً قوياً بأن الله يبتليه دائماً في الخير والشر، ولولا لطف الله سبحانه لهلك هلاكاً شديداً.

إنه يجيب الإنسان على كل ما يفكر فيه ، فهو يمنحه الإجابة الشافية والمعرفة الوافية، لكل أمر من أمور دينه ودنياه وآخرته.

إن كتاب الله يحقق للإنسان السعادة لأنه يسير في طريقه لا يخشى شيئاً إلا الله، صابراً حامداً شاكراً ذاكراً لله على الدوام ، شاعراً بنعمة الله عليه . . يحس بآثار حنانه ودلائل حبه... فكل هذا يبث في نفسه طاقة روحية هائلة تصقله وتهذبه وتقومه وتجعله يشعر بالسعادة والهناء، وبأنه قويٌ بالله . . . سعيدٌ بحب الله ، فينعم الله عز وجل عليه بالنور

والحنان، ويفيض عليه بالأمن والأمان ، فيمنحه السكينة النفسية والطمأنينة القلبية.

مما سبق يتضح لنا أن للقرآن الكريم أثر عظيم في تحقيق الأمن النفسي، ولن تتحقق السعادة الحقيقية للإنسان إلا في شعوره بالأمن والأمان، ولن يحس بالأمن إلا بنور الله الذي أنار سبحانه به الأرض كلها، وأضاء به الوجود كله . . . بدايته ونهايته، وهذا النور هو القرآن الكريم.

ويؤكد لنا القرآن الكريم بأنه لن يتحقق للإنسان الطمأنينة والأمان إلا بذكره لله عز وجل .. قال تعالى: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) [الرعد:28] .

إذن علينا أن نتمسك بكتاب الله ونقتدي به ، ونتدبر في آياته البينات، ونتأمل في كلماته التي لا تنفد أبداً .. قال تعالى: (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً) [الكهف:109] حتى نتحلى بالإيمان الكبير في هذه الرحلة الروحية مع آيات الله فنتزود بما جاء به القرآن الكريم من خلق عظيم، وأدب حميد ، وسلوك فريد، ومعرفة شاملة بحقيقة النفس الإنسانية كما أرادها الله عز وجل أن تكون، وترتقي حيث الحب والخير والصفاء والنورانية، فننعم بالسلام الروحي الممدود، والاطمئنان القلبي المشهود، والأمن النفسي المنشود.
avatar
أميمة عرفات
مراقب عام
مراقب عام

عدد المساهمات : 1112
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

مُساهمة من طرف أميمة عرفات في الجمعة نوفمبر 25, 2011 1:39 am

القرآن الكريم فيه من عطاء الله ما يخاطب ملكات خفية في النفس تقود الإنسان إلى الإيمان الذي يحقق له الأمن والاطمئنان.

ففي القرآن الكريم طاقة روحية هائلة ذات تأثير بالغ الشأن في نفس الإنسان، فهو يهز وجدانه ويرهف أحاسيسه ومشاعره، ويصقل روحه، ويوقظ إدراكه وتفكره، ويجلي بصيرته، فإذا بالإنسان بعد أن يتعرض لتأثير القرآن يصبح إنساناً جديداً كأنه خلق خلقاً جديداً.


لقد سبق القرآن الكريم جميع علماء النفس عندما أوضح لنا أن للإيمان تأثيراً عظيماً في نفس الإنسان من حيث:
1. أنه يزيد من ثقة الإنسان بنفسه.
2. يزيد من قدرته على الصبر وتحمل مشاق الحياة.
3. يبعث الأمن والطمأنينة في النفس، ويغمر الإنسان الشعور بالسعادة.
وإذا ما بث الإيمان في نفس الإنسان منذ الصغر فإن ذلك يعطيه مناعة ووقاية من الإصابة بالأمراض النفسية.
ومع الإيمان يتحرر الإنسان من القلق الذي يؤدي إلى الاكتئاب الذي يقود إلى الانتحار ما يدخلك في دائرة الكفر.
ومع الإيمان لا يوجد اكتئاب أو مرض نفسي أو قلق.
وإذا تأملنا في آيات الله البينات نجد أن الإيمان يرتبط بمعانٍ كثيرة مثل التقوى والأمن والهداية والبركة والاطمئنان.
قال تعالى:
{الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة}(يونس:64)
{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}(الأعراف:96)
{الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}(الأنعام:82)
{الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}(الرعد:28)
والمؤمن الصادق لا يهزه شيء فهو حامد شاكر صابر راضٍ بقضاء الله وقدره، محباً لله والمحب لله آمن على نفسه يشعر بالسعادة والطمأنينة تحيط به من كل جانب.
وتتحقق للمؤمن سكينة النفس وأمنها وطمأنينتها، لأن إيمانه الصادق يمده بالأمل والرجاء في عون الله وحمايته، ويعلم أن رزقه على بيد الله وحده، وأنه لن يصيبه شيء إلا بإذن الله ومشيئته، وأنه يحيا في هذه الدنيا كعابر سبيل سرعان ما ينتقل إلى الحياة الآخرة الباقية، معداً نفسه للحياة الآخرة بالإيمان بالله وعبادته والعمل الصالح.
وهو ذو قدرة كبيرة على تحمل المصائب لأنه يرى فيها ابتلاء من الله تعالى يجب أن يصبر عليه، وهو لا يكبت شعوره بالذنوب بل يعترف بها ويستغفر الله عنها.
فلا غرابة أن يكون المؤمن الصادق الإيمان آمن النفس، مطمئن القلب، يغمره الشعور بالرضا وراحة البال.
وهذا يذكرنا بحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم :
عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له. (رواه مسلم)
والإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، والقلب هو محل الفقه:
{صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون}(التوبة: 127)
وهو محل الطمأنينة:
{ألا بذكر الله تطمئن القلوب}(الرعد:28)
وهو مستقر الإيمان:
{ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم}(الحجرات:14)
وهو محل السكينة:
{هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم}(الفتح:4)
وهو محل الألفة والحب:
{وألف بين قلوبهم}(الأنفال:63)
وهو محل التقوى:
{ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}(الحج:32)
وهو محل الخشوع:
{ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله}(الحديد:16)
وهو محل الهداية:
{ومن يؤمن بالله يهد قلبه}(التغابن:11)
{نزل به الروح الأمين على قلبك}(الشعراء:193-194)
فالقلب بهذه المنزلة هو الذي يفقه، وهو مرآة ومقياس النفس، فكلما كانت النفس محمودة ازداد القلب إجلالاً وإشراقاً بالإيمان يتلألأ فيه الحق.
وفي هذا يقول الرسول صلي الله عليه وسلم:
"إذا أراد الله بعبدٍ خيراً جعل له واعظاً من قلبه"
"من كان قلبه واعظ، كان عليه من الله حافظ"
"إذا أراد الله بعبدٍ خيراً فتح له قفل قلبه، وجعل فيه من اليقين والصدق، وجعل قلبه واعياً سلك فيه، وجعل قلبه سليماً ولسانه صادق، وخليقته مستقيمة، وجعل أذنه سميعة وعينه بصيرة".
إذن المراد على القلب، والنفس قد تصدق وقد تكذب، ولكن القلب المؤمن لا يكذب أبداً.
ولذلك قال رسول الله :
"استفتِ قلبك، وإن أفتوك، وإن أفتوك، وإن أفتوك".
وبعد أن أعطانا القرآن الكريم إطار شامل وعام عن النفس الإنسانية، وأوضح لنا أهمية الإيمان في حياة الإنسان مما يقوده إلى سبيل الهدوء والسكينة، أرشدنا إلى السبل الإسلامية التي بها نسلح أنفسنا لتحقيق الأمن النفسي، ولكي تعطينا القدرة على مواجهة صعاب الحياة، وهذا ينقلنا إلى المحور الأخير ألا وهو السبل والأسس الإسلامية التي تحقق الأمن النفسي من هدي القرآن الكريم، وهي تمثل أساس طريق الله الذي يحقق الأمن النفسي
avatar
أميمة عرفات
مراقب عام
مراقب عام

عدد المساهمات : 1112
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

مُساهمة من طرف أميمة عرفات في الجمعة نوفمبر 25, 2011 1:39 am

تعلم المبادئ الأساسية للأمن من كتاب الله عز وجل
إن كتاب الله عز وجل جاء لإصلاح أمور العباد في الدنيا والآخرة، ومن جملة القضايا التي عالجها القرآن الكريم موضوع الأمن وهذه بعض الآيات القرآنية التي تستوقفنا للبحث عن معانيها الشاملة ومعرفة دلالاتها الأمنية ففي سورة البقرة ورد قوله تعالى : {.. فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنَّه آثم قلبه والله بما تعملون عليم..}. وفي سورة آل عمران قال ربنا تعالى جده وتبارك اسمه: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما…}.
فهل سألت نفسك يوماً ماذا تقرر هذه الآيات؟!
وإليك بيان ذلك كإعانة ٍلك لتنتبه وأنت تتلوا كتاب الله تعالى لنتعرف ما يتضمنه من المبادئ والمعاني الأمنية !!
فالآيات السابقة اشتملت على:
1 - مبدأً من مبادئ الأمن - وهو الاستوثاق في التعامل مع الآخرين.
إنَّ الإستوثاق ضروري لتأمين الحياة وتسيير أمور العامة ومعاملاتهم ، وإذا ما انعدم الأمن انتكست الحياة ، وانتكست معاملات الناس وضاعت حقوقهم ، وتفشَّى الظلم والنهب والسلب {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته…} ، {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك…} .
2 - تربط الآية مفهوم الأمن والأمانة بتقوى الله تعالى .
فقد يتعرض أحد المؤتمِنين للغياب أو الموت ، فإذا فقد الوازع الداخلي ضاع الأمن والأمان { … فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق اللَّه ربه}
3 - الشهادة وقول الحقيقة محروسان بمبدأ الثواب والعقاب .
فالشهادة أساس الأمن والأمانة والمحافظة على أموال العباد وأعراضهم ، وكتمها وإخفاؤها ضياع للأمن والأمانة . لهذا كله شدد القرآن على قول الحق وأداء الشهادة {..ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فهو آثم قلبه..}
4 - أساس الأمن سلامة القلب والصدر من الإثم .
وإثم القلوب إهدار للأمن والطمأنينة والسكن ، لهذا نجد الأستاذ سعيد حوَّى يقول : " في أركان نظريته الأمنية ( ترك الذنب فما من مصيبة في حق عامة الناس وسببها ذنب ، ولذلك كانت المعصية أخوف عند عمر بن الخطاب - رضي اللَّه عنه - على الجيش الإسلامي من الجيوش وكثرتها ) , ومصداقا لقوله تعالى : { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } ، {.. ومن يكتمها فإنَّه آثم قلبه..} .
5 - جواز الاستفادة من غير المسلمين في جوانب أمنية محدودة .
ويكون ذلك في مجال الأموال لا الأبدان ، وأساس ذلك الثقة في العنصر المستخدم ولا يكون ذلك إلا بعد التجربة العملية والطويلة {.. ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما..}.
avatar
أميمة عرفات
مراقب عام
مراقب عام

عدد المساهمات : 1112
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

مُساهمة من طرف أميمة عرفات في الجمعة نوفمبر 25, 2011 1:42 am

مفاهيم مغلوطة!..



يزعم بعض النـاس أنّ العمل الأمني هو من الأعمال الغريبة عن الحركة الإسـلامية، ويتناقض مع توجّهاتها، وأهدافها، ومنطلقاتها! .. ويستنكرون أيّ نشاطٍ أمنيٍ تقوم به التنظيمات الإسلامية، أو المعنيّون من أفرادها!.. وقد تشكَّل مثل هذا الاقتناع عند هذا الصنف من الناس، نتيجة الخلفية النفسية تجاه العمل الأمنيّ في بعض الدول بشكل عـام، فالأمن أو "الأجهـزة الأمنية" في الدولة، ارتبط دوماً بواقعٍ وتاريخٍ مظلم، وَسَمَ جوانب كثيرةً من جوانب الحياة العامة لها!.. وتعبير "الأمن" أو "الجهاز الأمني"، ارتبط في عالمنا بالقمع، والرعب، والسجن، والزنزانة، ومراقبة الناس، وكشف أستارهم، ومداهمة البيوت .. كما ارتبط بالجلاّد، والسَّوْط والتعذيب، والدولاب، والضحيـة، ونزف الدماء، والظلم، والقهر!..
avatar
أميمة عرفات
مراقب عام
مراقب عام

عدد المساهمات : 1112
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

مُساهمة من طرف أميمة عرفات في الجمعة نوفمبر 25, 2011 1:44 am

المسلم وأمن الدولة :

نعم، لقد ارتبط اسم "الأمـن" بكل المصطلحات القبيحـة المذكـورة آنفاً، في الوقت الذي يدلّ فيه هذا الاسم الراقي على: السكينة، والسلام، والاستقرار، والراحة المطلقـة، والرخاء، والعدل، والهدوء! .. وهذا الارتباط الشاذ هو واقع الحال في معظم دول العالم اليوم، وفي طليعتها دول ما يسمى بالعالم الثالث!.. فقد أُسِّست "الأجهزة الأمنية" في هذا العالم لحماية "نظام الحكم" بدلاً من حماية "الشعب" أو "الوطن"، خاصةً في الدول التي تُقلَبُ فيها الكراسي بقوّة السّلاح، وبِهمّةِ جنرالات "النياشين" الزائفة!.. وتُفرَض فيها أنظمة الحياة الجائرة ومناهجها، بقوّة "الأجهزة الأمنية" العتيدة، التي تَعتبر "الشعب" أو "المواطن" (منذ لحظة تأسيسها وإنشائها) الخصمَ الأول، والعدوَّ الذي لا يمكن الانتصار عليه إلا بمثل هذه الأجهزة القمعية!..

لقد أرسى هذا الواقع المرير (الذي كان نتيجةً من نتائج إقصاء الإسلام وتعاليمه عن الحكم) دعائم أرضيةٍ نفسيةٍ مشوهةٍ تجاه "الأمن" عند الإنسان المعاصر، وخاصةً الإنسان المسلم، الذي تعتبره بعض الأنظمة الوضعية العدوّ رقم واحد، الذي يتوجب عليه أن يتلذّذ بطعم "الأمن" المرّ بشكلٍ دائم، وأن يشعر -رغم أنفه- بنعيم تلك الأجهزة الأمنية في أقبيتها المظلمة (خمس نجوم)!..

إنّه الأمن الزائف، وإنها "الأجهزة أو الأنظمة الأمنية" الظالمة، التي مارست الظلم على "اسمها"، قبل أن تمارسه -بأبشع صورةٍ أخلاقيةٍ- على شعوبها المقهورة المنكوبة بها!..

الحركة الإسلامية والأمن : تصحيح المفاهيم المغلوطة :



الحركة الإسلامية ما وُجدت أصلاً إلا لتحكيم منهج الله في جميـع نواحي الحياة، ولإخضاع كلّ جبارٍ لحكم الإسلام العظيم، ولتحقيق العبـودية لله الواحد القهار لا شريك له، ولتحرير الإنسانية من العبودية للأنظمـة الوضعية الظالمـة، التي كان "أمنها" و"أجهزتها الأمنية" المستبدّة، إحدى إفرازاتها "النّتنة"، التي شوّهت خُلُق "الأمن"، قبل تشويهها لأجساد ضحايا التعذيب في أقبيتها السوداء!.. والمطلوب من ابن الحركة الإسلامية الحقيقي، أن يتحـرّر من تلك الخلفية النفسية التي زرعها الطغاة في عقله الباطن، بالواقع القهريّ الذي فرضوه، لأنّ "الأمن" في المفهوم الإسلاميّ هو: تحقيـق الاستقرار، والسّهر على راحة الناس، والمرابطة على الثغور، وترسيخ معاني السكينة والهدوء والراحة المطلقة للأفراد وللمجتمع .. فالأمـن في العقليـة الإسلامية هو "الأمن"، ولا شيء سواه، من غير تحريفٍ أو تزييف!..



الأصل الشرعي الأول : الأمن والقرآن الكريم :



القرآن الكريم، الذي هو كتاب الله العظيم، ودستور الإسلام القويم، يحتوي -فيما يحتويه- على أعظـم المعاني الأمنية، ولا نبالغ مطلقاً عندما نقول: إنّ كتـاب الله تعـالى جاء بالكثير من أساسيات العمل الأمني ومفاهيمه ومفاتيحه، وقد أكّدت النصـوص القرآنية بشكلٍ لا يقبـل الاجتهاد أو طـول النظر والتفكير، أنَّ للعمل الأمني أصلاً شرعياً من الأصول الإسلامية التي ينبغي للمسـلم أن يأخذ بها، ويستفيد منها، وينفّذ روحها وتعاليمها، ومن أراد الدليل أو المزيد، فما عليـه إلا أن يستعـرض كتاب الله عز وجل، ويتلـوه "بعينٍ أمنيةٍ"، ليكتشف بنفسه حقيقة ما نقول!..



لقد زخرت قصص الأنبياء (عليهم صلوات الله وسلامه) في القـرآن الكريم .. بالعديد من المعاني والعِبَر الأمنية، خلال تبليغ دعوتهم لأقوامهـم، ومَن يتأمل في بعض تلك القصص .. فسيصل إلى اقتناعٍ قويٍ بأن الحـذر والأمن، كانا من الأساليب الضـرورية التي لا يمكن التخـلي عنها، في أي دعوةٍ من الدعوات التي جاء بها أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام!..








(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (الزمر:27)



avatar
أميمة عرفات
مراقب عام
مراقب عام

عدد المساهمات : 1112
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

مُساهمة من طرف أميمة عرفات في الجمعة نوفمبر 25, 2011 1:46 am

الحيطة والحذر .. أوامر قرآنية مباشرة :

المنافقون!.. أجل!.. هذا الصنف الخسيس من الناس، الذين يتغلغلون في الصفوف، ويتّخذون لأنفسهم أقنعةً متعددة، ويسعون إلى تفتيت الصف الإسلاميّ من الداخل، بكل ما أوتوا من مكرٍ ودهاء، أولئك العيون الضّالة، عيون الكفار والأعداء على المسلمين .. إنهم المفسدون الخطِرون على الأرواح والخطط والأفكار .. هؤلاء أخطر أهل الأرض على الإسلام وجنده .. ما الموقف منهم؟!..

(.. هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون: من الآية 4)

نعم!.. أمر إلهي مباشر، لاتخاذ الإجراءات التي تكفل الأمن من شرّهم وأذاهم!..

(فَاحْذَرْهُمْ)، أوَلَيسَ "الحذر" والقيام بمتطلباته من أهم المبادئ الأمنية؟!..

(هُمُ الْعَدُوُّ)، لأنهم العدو الحقيقي الخطير، الذي ينبغي كشفه قبل تمكّنه من الصف الإسلاميّ، فيعمل على تدميره من الداخل!..

(قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)، لأنهم أعداء الله، لذلك فهو يبغضهم ويقاتلهم، وعلى المسلم أن يقوم بواجبه تجاههم فينفّذ أمر الله فيهم، فيحذرهم!..

ذلك ليس كل شيء فيما يتعلق بأولئك المندسّين في الصفوف، المدمّرين لها:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (آل عمران:118).. فربّ العزّة يصفهم بوضوح، ويكشف سرائرهم بجلاء، ويأمرنا أمراً قاطعاً بكشفهم، وإبعادهم عن كل موقعٍ في الصف الإسلاميّ، خاصةً المواقع الهامة التي تتعلّق باتخاذ القرارات الخطيرة أو المصيرية!..

إنّه بيان وأمر من الله تعالى للعاقلين الحريصين على إسلامهم، وعلى دعوتهم من مكر الماكرين، وخبث المتربصين: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)!..

نعم!.. إن كنتم تعقلون! ..

الحذر مطلوب في السِّلْم .. وفي الحرب أَوْلى وأهمّ :

إذا كان الحذر وتحقيق "الأمن" بعملٍ أمنيٍ متكامل .. مطلوباً في حالات السِّلْم، فكيف به في حالات الحرب؟!.. علماً بأنّ الحرب الحديثة متعددة الوجوه والأشكال:

(.. وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَة) (النساء: من الآية 102).

إنه العدوّ المتربّص في كل زمانٍ ومكان، ينتظر حالة "الغَفْلة والاسترخاء" في الصفّ الإسلامي، وهي حالة تتعارض مع حالة "اليقظة والحذر" .. هذا العدوّ البارع بانتهاز الفرص التي تصنعها له حالة "الغَفْلة" ماذا يفعل؟!..

(فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَة)، مَيْلَةً لا تُبقي ولا تذر، تُهلِك الحرث والنسل، وتهتك العِرْض، وتغتصب الأرض، وتستولي على الديار، وتتحكّم بعباد الله بطغيانٍ لا مثيل له!..

إنها نتائج الغَفْلة والتفريط بأسس حماية الصفّ الإسلاميّ والجماعة المسلمة والأمّة المسلمة!..

أما تنفيذ الأوامر الإلهية بامتلاك أسس الحماية، الكفيلة بتحقيق الأمن للصفّ الإسلاميّ، فالله عز وجل يبارك ذلك ويدعمه ويمدّه بأسباب القوّة والحصانة: ))

(.. وَخُذُوا حِذْرَكُمْ)، فإن فعلتم: (.. إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) (النساء: من الآية102)، وقد يكون العذاب لهم على أيديكم، بنصر الله لكم عليهم في الحياة الدنيا، والتمكين لكم في الأرض!...

التثبّت من صحة المعلومة .. مبدأ قرآنيّ أمنيّ أخلاقيّ :

ليس التعامل مع المعلومة أصماً، فالمعلومة في المفهوم الأمنيّ مادة خام، تحتاج إلى التحرّي والبرهان، فيُبنى على صحتها الموقف واتخاذ القرار المناسب .. وكم من معلومةٍ خاطئةٍ أوْدت بجماعاتٍ وأمم، وكم من موقفٍ مصيريٍّ تم تداركه بفضل معلومةٍ صحيحةٍ تم الحصول عليها في الوقت المناسب!.. وناقل المعلومة جزء مهم من اعتمادها أو تجاهلها .. من استثمارها أو نبذها وتجاهلها:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6).

إنه التحرّي الصادق الأمين، للتثبّت من المعلومة، قبل بناء الموقف عليها واتخاذ القرار المناسب بشأنها، كي لا يقع الندم، والندم هنا هو نتيجة من نتائج ظلم الناس .. وإيقاعُ الظلم بالناس هو نتيجة لتصرّفٍ أرعن متسرّع، لا يدع المجال للتثبّت من المعلومة والتحقق من إيمان ناقلها وصدقه وتقواه وولائه .. فهل نتعلّم ونتّعظ ونفعل وننفّذ أمر الله عز وجل؟!..
avatar
أميمة عرفات
مراقب عام
مراقب عام

عدد المساهمات : 1112
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

مُساهمة من طرف أميمة عرفات في الجمعة نوفمبر 25, 2011 1:50 am

الحذر من إذاعة الأخبار وترديد الإشاعات: مبدأ قرآني آخر :

لأنّ إشاعة الأمن في صفٍ متيقّظٍ حَذِر، ستنتهي به إلى التراخي والغفْلة عن العدوّ المتربّص .. وكذلك إشاعة الخوف في صفٍ آمن، يمكن أن تُحدث فيه إرباكاتٍ وردّات فعلٍ غير محسوبة .. فما الحلّ؟!..

الحلّ إلهيّ من عند الله تعالى جل شأنه، أنزله من فوق سبع سماواتٍ قرآناً طاهراً عظيماً صادقاً كريماً:

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) (النساء:83). فالحلّ هو: ردّ الأمور إلى أولي الأمر القادرين على تحليلها واستنباط خفاياها ومراميها، ثم اتخاذ القرار المناسب بشأنها، وبذلك يبقى الصف الإسلاميّ آمناً مطمئناً، محمياً بعقول أبنائه وسواعدهم وإيمانهم!..

القرآن الكريم والمفهوم الحقيقي للأمن :

إنّ تحقيق الاستقرار والسكينة، والأمن من المكاره، والطمأنينة والحماية، هو المعنى الحقيقي للأمن في القرآن الكريم:

(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82).

فالأمن هو ثمرة للإيمان الخالص النقي، إنه أمن النفس وأمن المجتمع وأمن الصفّ الإسلاميّ وأمن الأمة المسلمة، النقي من الشوائب المختلفة، شوائب النفس أو شوائب بنيان هذا الصفّ، والأمن نعمة من الله لا يحظى بها إلا المؤمنون الصادقون، الذين يعبدون الله وحده، ويعملون للوصول إلى تحقيق العبودية المطلقة لله سبحانه بين البشر .. كل البشر:

(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش: 3 و4).

فيا ربّ كنْ معنا، وآمِن خَوْفَنا، وانصُرْنا على عدوّنا، وانصُر مَنْ نَصَرَنا، واخذُل مَنْ خَذَلَنا، واجعلنا من عبادِكَ المؤمنين الصادقين، العاملين بهدي كتابك الكريم وسنّة نبيّك ورسولك صلى الله عليه وسلم.

أصحاب الكهف: عِظاتٌ أمنيةٌ .. وقصةٌ تتكرر كل يوم :



الصراع بين الحق والباطل متعدد الوجوه، فأهل الحق والدعوة الربانية مستهدفون على مدار الساعة، وأهل الباطل والطغيان في كل حينٍ يتربّصون بأبناء الدعوة الإسلامية، يرومون النيل منهم والقضاء على دعوتهم، بالقضاء عليهم.



مَنْ هم أولئك الفتية، الذين تميّزوا عن قومهم الذين لفّهم الضلال والظلم والظلام من كل جانب؟!..



(.. إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً) (الكهف: من الآية 13).



إنهم حملة اللواء إذاً، لواء الإيمان، في وجه الظلم والطغيان الصادر عن أولئك الجبارين الذين حكموا بغير ما أنزل الله، فَضَلّوا وأضلّوا، وتحكّموا بمصائر الناس الذين تحوّلوا إلى عبيدٍ لهم .. لكن أولئك الفتية الصادقين ثاروا على الظلم والقهر، واستطاعوا بحنكتهم وعقولهم النيّرة أن يتدبّروا أمر حماية أنفسهم، لحماية دعوتهم وإيمانهم، فماذا فعلوا؟!..



(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً) (الكهف:10) .. إنّه اللجوء إلى المكان (الآمن)، وقبل ذلك، الإيمان الصادق بالله عز وجل، وتسخير النفس في سبيل دعوته، فبعد اتخاذ كل أسباب (الحماية والأمن)، واستكمال شروط التوكّل على الله سبحانه وتعالى.. لجأوا إليه:



(ربّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رحمةً، وهيّء لنا مِنْ أمرِنا رَشَداً) .



فهم يعلمون ببصيرة إيمانهم أنّ الحماية والأمن لا يُطلَبان إلا من الذي يملكهما، فلجأوا إليه وحده، وطلبوهما منه وحده!..



بعد كل ذلك .. بماذا قابلهم ربهم العزيز القدير؟!..



(وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ..) (الكهف: من الآية 14).. أي قوّيناهم بالصبر على هجر الأهل والأوطان، لأنهم فعلوا ما عليهم فعله ضمن حدود القدرة البشرية، فأمددناهم بالقدرة الإلهية، حمايةً، ورعايةً، وأمناً، ورشداً، ونصرة!..



هذه الخطة (الأمنية) لم تأتِ من فراغ، إنما كانت ثمرة بحثٍ وحوارٍ بين الفتية، الذين بذلوا أنفسهم في سبيل الله .. إلى أن توصّلوا إلى الحل الأمثل، والقرار الحكيم:



(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً) (الكهف:16) .. ولأنهم كانوا مع الله، ويعيشون لدعوتهم، تيقّنوا أن الله عز وجل هو الذي سيحفظهم، ويُعمي عنهم أعين الجبارين وأنصارهم:



(.. ينْشُر لكُم ربُّكُم من رحمتِهِ، ويهيّء لكُم من أمرِكُم مِرْفَقاً).



فالله وحده (أولاً وآخراً) هو الذي يسهّل الأمور، وهو الذي ييسّرها، وهو الذي يحمي ويصون، فَبِقَدَرِهِ وقُدْرَتِهِ يسير كل شيءٍ في هذا الكون!..

ونام الفتية في مأواهم الجديد (الكهف) مئات السنين:



(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) (الكهف:11).



ثم أيقظهم الله جل وعلا.. وبعد أن أيقظهم، هل تغيّرت حالة (الحذر) في نفوسهم بعد مضي كل تلكم السنين الطويلة؟!..



يخبرنا الله عز وجل في كتابه العظيم، أنّ هاجس (الأمن) و(حماية النفس والجماعة والدعوة) لم يتغيّر في نفوسهم، على الرغم من مرور كل تلك المدّة الطويلة!.. فقد مرت تسعٌ وثلاث مئةٍ من السنين، من غير أن يُكشَفوا أو يُكشَف مكانهم وأمرهم، وفي هذا دلالة عظيمة على حكمتهم وحسن تخطيطهم (الأمني) في حماية أنفسهم وحماية دعوتهم، طوال تلك السنون!..



(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ..) .. (.. قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً) (الكهف: من الآية 19).



إنّه (الحذر)، و(الحيطة)، و اتخاذ أسباب (الحماية) بكل حزمٍ وصرامة، مع الاستمرار والعمل الدؤوب على تحقيق (أمن) الدعوة من كل مكروه، بذكاءٍ ودهاءٍ لا بد منهما لكل من يريد أن يسير في ركب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى!.. وقد جاءت الكلمات الشريفة في غاية الدقة والدلالة المباشرة، على الحالة الأمنية التي لا تقبل التهاون أو الاسترخاء:



(.. وليتلطّف)!.. أي ليدقق النظر حتى لا يُعرَف وتُعرَف شخصيته! ثم: (.. ولا يُشعِرَنَّ بكُم أحداً)!.. أي لا يدع أحداً من الناس كائناً من كان، أن يعلم بمكانكم، فيكشفه، ثم يكشفكم، ومن بعد ذلك الخطر الأكيد!.. وما هو هذا الخطر الأكيد؟!..



(إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ..)!.. (الكهف: من الآية 20) .. نعم هذه هي حال الطواغيت الجبارين في كل زمانٍ ومكان .. فإن اطّلعوا عليكم، وعلموا بمكانكم وإيمانكم، وبدعوتكم .. فلا سبيل عندهم، ولا وسيلة لديهم، إلا القتل: (يرجُموكُم)!.. أو .. أو ماذا؟!



(.. أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً)!.. (الكهف: من الآية 20) .. إنه الحل الآخر المرّ، وهو أن يجبروكم على العودة إلى دينهم وكفرهم، بعد كل تلك السنين من الصبر والجهاد والتضحية والمعاناة في سبيل الله عز وجل، وفي سبيل الدعوة التي آمنتم بها وأكرمكم الله بحمل لوائها، وبذلك كله ستخسرون الآخرة، بعد أن خسرتم الدنيا!.. فماذا أنتم فاعلون؟!..



لا خيار إذاً .. إما الاستمرار في طريق الدعوة حتى تحقيق الأهداف المرجوّة، مع اتخاذ كل الأسباب (الأمنية)، التي تحمي هذه الدعوة ورجالاتها ومجاهديها .. وإما العودة إلى حياة الكفر ودين الطواغيت الظالمين، ومنهج الأرباب المزيَّفين، وحياة الذلّ في الدنيا .. ثم إلى عذاب الله وسخطه وعقابه في الآخرة .. فما أعظم العبرة، وما أبلغ الدرس!..
avatar
أميمة عرفات
مراقب عام
مراقب عام

عدد المساهمات : 1112
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

مُساهمة من طرف أميمة عرفات في الجمعة نوفمبر 25, 2011 1:52 am

يوسف عليه الصلاة والسلام:

دروسٌ أمنيةٌ بليغة!..

إنّ قصة يوسف عليه السلام مثال واضح على حتمية الصراع بين الخير والشرّ، بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال .. ولا يُحسَم هذا الصراع لصالح أبناء الحق والخير والهدى إلا بأمرين اثنين معاً:

1- الإيمان الصادق القوي بالله عز وجل، وبالدعوة التي يسيرون في ركابها.

2- اتخاذ كل الأسباب اللازمة الضرورية لمواجهة العدو والطغيان والشرّ.

إن السير في خطة حمايةٍ متكاملةٍ هو أحد الأسباب المهمة التي ينبغي الأخذ بها في كل مراحل الصراع، فمهما كان عدد المجاهدين في سبيل الله، ومهما كان عدد أفراد العدو، فإن (العمل الأمني) لا يمكن الاستغناء عنه أو تجاهله طالما أن الصراع موجود، وعلى أي وجهٍ من الوجوه كان!.. وهذا المفهوم الأمني يتجلى واضحاً في قصة سيدنا يوسف عليه السلام!..

لقد رأى يوسف عليه السلام في المنام رؤياه المشهورة التي أدخلت القلق إلى نفس يعقوب –والده– عليه السلام:

(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) (يوسف:4) .. ولأنّ يعقوب عليه السلام عرف تأويل هذه الرؤيا، فتوقع على الفور نتائجها فيما لو علم أبناؤه بها وبتأويلها، فهو أعلم بطبيعة أبنائه وسرائرهم، التي يتملكها الحسد والغيرة وقساوة القلب التي تجعل من هؤلاء الأبناء أعداءً ألدّاء ظالمين .. فماذا كان موقف الوالد يعقوب عليه السلام؟!..

لقد (حذّر) ابنه يوسف عليه السلام من أن يبوح بخبر الرؤيا لإخوته، أي وصّاه بحفظ السرّ، سرّ الرؤيا .. (والسرية) بمعنى عدم كشف أسرار الدعوة من أهم أساليب العمل الأمني، ومن أهم وسائل تحقيق (الأمن والحماية) لأبناء الدعوة!..

(قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (يوسف:5) .. إنه الكيد .. سلاح الحاسدين الذين تعميهم نفوسهم الصغيرة عن اتباع الحق، والذين يتركون المجال واسعاً للشيطان -عدوّ الجميع- للتلاعب بهم، ولتأجيج نار العداوة والبغضاء بينهم .. ثم تأجيج نار الصراع!.. وبصيرة الوالد يعقوب عليه السلام تكشف الكيد، ويحاول تجنّبه وتجنيب ابنه يوسف عليه السلام شرّ الأشرار، وإن ما توقّعه -بنفاذ بصيرته، وبعلمه وحكمته وحنكته- لم يكن ضرباً في الفراغ .. فهاهم الأبناء الذين أعماهم الشرّ يأتمرون ويتآمرون:

(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ) (يوسف:9)!..

ويأتي الأبناء للطلب من أبيهم إرسال يوسف عليه السلام معهم، ويدخل الصراع مرحلةً جديدة، ويحاول الأب أن يحميَ ابنه من الكيد والشرّ، لكن كيف؟!.. فهو والدهم كلهم، وهو لا يريد أن يبوحَ بحبه ليوسف عليه السلام، لأن ذلك سيؤجج نار الحسد في صدور أبنائه الآخرين، وسيقدم دليلاً جديداً ومبرراً آخر لهم ليستمروا في خطّهم الأرعن بالكيد!..

لم يجد يعقوب عليه السلام إلا (التورية والتغطية) سبيلاً للتملص من طلب أبنائه:

(قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) (يوسف:13) .. فقد خاف على ابنه الحبيب منهم، فكنّى عن ذلك بالذئب، كي يصرفهم عن طلبهم الخطير، وهو عالم بنيّاتهم ومكرهم، ومتوقّع لشرّهم بحق يوسف الحبيب!.. وكل ذلك كان بهدف (الحماية) و(تحقيق الأمن) لولده يوسف عليه السلام!..

لكن لأمرٍ يريده الله، غُلِبَ الأب الحكيم على أمره، فكان لهم ما أرادوا .. فللباطل أيضاً أساليبه (الأمنية)!..

وهاهم الأبناء بعد ارتكاب فعلتهم الشنيعة بإلقاء يوسف عليه السلام في غيابة الجبّ، يتصنّعون الحزن والبكاء:

(وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ) (يوسف:16) .. ويختلقون قصة ضياعه المزعومة من بين أيديهم، ويبذلون جهدهم على أن تكون القصة محبوكةً بدهاء، ومقنعةً منطقية:

(قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) (يوسف:17) .. ثم ماذا؟.. (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِب) (يوسف: من الآية 18) .. وهكذا استخدموا كل وسيلةٍ ممكنةٍ بأسلوب (التغطية) و(التعمية) لتبرير فعلتهم، وتحقيق مأربهم!.. فالباطل إذاً يملك من الأساليب الأمنية ما يستوجب مقابلتها بأساليب أشدّ دهاءً وذكاءً للتغلب عليه!..

ويمكّن الله عز وجل ليوسف عليه السلام في الأرض بعد سلسلةٍ من المحن المتلاحقة:

(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:56) .. وينصره ربّ العزّة، فيحكم يوسف عليه الصلاة والسلام بما أنزل الله .. ولكن قصته مع إخوته لم تنتهِ!..

(وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (يوسف:58) .. هكذا إذاً .. فقد مكّنه الله، وجعله يعرف إخوته من غير أن يعرفوه .. فهل كشف سرّه لهم وعرّفهم على نفسه؟!..

لا !.. لم يفعل .. فالصراع مازال قائماً .. ولا بدّ من الاستمرار في (الخطة الأمنية) التي تمكّنه من معرفة عدوّه، من غير أن يعرفَه عدوُّهُ، وبذلك يستطيع أن يتعامل معه، ويدير دفّة الصراع بحكمةٍ وحنكةٍ، ليؤول الأمر إليه في النهاية!..

فهل نتعلّم نحن أبناء الحركة الإسلامية من قصص أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام؟!..

هاهو يوسف عليه السلام قد استلم زمام المبادرة، لأنه عرف عدوّه، ولم يمكّنه من التعرّف عليه، ومن يملك زمام المبادرة .. يملك الفرصة الأعظم لتحقيق النصر!..

لقد بدأ عليه السلام بتنفيذ خطته، وذلك باستدراج إخوته لإحضار أخيه (بنيامين) معهم إليه، ثم واصل خطته بدهاءٍ لإبقاء أخيه عنده:

(وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (يوسف:62) .. ثم ماذا!.. (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (يوسف:69) .. نعم لقد أسرّ عليه السلام إلى أخيه بهذا السرّ!.. فهو أخوه، وينبغي عليه أن لا يجزع فيتصرف أي تصرفٍ يفسد الخطة .. ولعلّنا نلاحظ أن السبب الذي دعاه إلى إخفاء سرّه عن إخوته، هو نفس السبب الذي دعاه إلى البوح بهذا السرّ إلى أخيه (بنيامين): إنها الرغبة في الاستمرار بامتلاك زمام المبادرة بخطةٍ (أمنيةٍ) محكمةٍ .. وتقتضي الخطة أن يُتهم الأخ (بنيامين) بتهمة السرقة لكي يبقى مع أخيه، ويخطط يوسف عليه السلام لتحقيق ذلك:

(فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) (يوسف:70) .. ثم يبدأ التنفيذ المحكم للخطة، فيبدأ التفتيش بأوعية الإخوة على الرغم من تيقّنه أن (السقاية) في وعاء أخيه الصغير، دَفعاً للتهمة وسَتراً لما دبّره من الحيلة لتحقيق هدفه: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف:76) .. ولم يُستَفَزّ يوسف عليه السلام عندما سمع كلاماً من الإخوة يسيء إلى سمعته وشرفه، لأنّ أمام عينيه هدفاً لا بدّ من بلوغه، ولم يحن الوقت للكشف عن نفسه وسرّه، وهو إن فعل، فسيجهض خطته بيديه، ويحبط كل ما عمل وخطط له:

(قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) (يوسف: من الآية 77).

لم يهزّه هذا الافتراء الظالم، ولم يخرجه عن طوره، ولم يفقده صوابه، فماذا فعل؟!..

(.. فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) (يوسف: من الآية 77) .. لكن عندما حان الوقت لكشف السرّ وتحقيق الهدف، لم يتردّد يوسف عليه السلام -بعد استنفاد كل أركان خطته- في الكشف عن نفسه وكشف سرّه، وقد كان هذا الكشف جزءاً من الخطة، وحلقةً مكمّلةً لها، لبلوغ الهدف:

(قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) (يوسف:89) .. عندئذٍ اكتشفوا السرّ:

(قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:90) .. وتحقّق الهدف بإذن الله وعونه وقدرته أولاً، وبالخطة (الأمنية) المحكمة التي وضعها يوسف عليه السلام، ثم نفذها بإحكامٍ ودهاء!..

وكان من ثمرات ذلك الدهاء الأمنيّ .. أن جمع الله الشمل، واجتمعت الأسرة من جديد، وتاب الإخوة -الأعداء- إلى الله عز وجل:

(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (يوسف:99)
avatar
أميمة عرفات
مراقب عام
مراقب عام

عدد المساهمات : 1112
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

مُساهمة من طرف أميمة عرفات في الجمعة نوفمبر 25, 2011 1:54 am

إبراهيمُ عليه السلام :

دهاءُ فردٍ مؤمنٍ يغلبُ أمّةً كافرة :

الغلبة ليست بالكثرة، والحق لا يقاس بالعدد المجرّد، إنما يقاس بقيمة من يرتقي إلى مستوى العقيدة والفكرة الربانية، وبدرجة رُقيّ الأساليب المتّبعة لنصرة الفكرة وتحقيق أهدافها السامية .. وهذا ما نلمسه جليّاً في قصة النبي إبراهيم عليه الصلاة السلام.

فقد أراد عليه السلام، أن يهديَ قومه للتحوّل عن عبادة الأصنام، إلى عبادة الله الواحد الأحد الذي لا شريك له، ولم يستطع إقناعهم بالحوار المنطقيّ، فوضع لنفسه خطةً قام بتنفيذها وحده بأسلوبٍ أمنيٍ بارع، ليقيم الحجّة على قومه : (قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (الأنبياء:56). فماذا فعل عليه الصلاة والسلام؟..

لقد قرر أمراً في نفسه!.. وأراد أن يكايد القوم في أصنامهم، وكانوا يخرجون جميعاً في يوم عيدٍ بعيداً عن تلك الأصنام، ونوى إبراهيم عليه السلام التخلف عن الخروج مع قومه إلى ذلك العيد، لأنه دبّر أمراً في نفسه!.. فتظاهر بالمرض : (فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) (الصافات:89 و90)، فتركوه وحيداً وذهبوا، وتلك كانت الخطوة الأولى في الخطة .. الخطة المضمرة التي أخفاها في نفسه : (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) (الأنبياء:57)!..

نعم لقد احتفظ بالسرّ في نفسه ولم يبح به لأحدٍ من العالمين، ثم تحوّل إلى أصنامهم، وعمل فيها تحطيماً وتكسيراً إلا كبيرهم!.. الذي أبقاه سليماً لتكتمل أركان الخطة :

(فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) (الأنبياء:58) .. وهكذا فقد اختار عليه السلام الوقت المناسب بدقّة، واتّخذ لنفسه الغطاء المناسب الذي يبرّر تخلّفه عن قومه بتظاهره بالسقم، ثم نفّذ ما يريد بذكاءٍ ودهاء، وترك كبير الأصنام سليماً، وهذا ما أظهره القرآن الكريم بوضوحٍ، حيث بيّن السبب الحقيقي لتصرّفه ذلك : (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) (الأنبياء:62 و63) .. فأسقِط في أيدي القوم أمام هذه الهزّة العنيفة، التي كانت ثمرةً لعملٍ نُفِّذَ بأسلوبٍ أمنيٍ كامل!.. وهيهات .. هيهات أن ينطق الحجر!..

ثم يتدخل عليه السلام، لاستثمار تلك الصدمة التي واجه بها عقول القوم : (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء:66 و67).

بهذا تعاضد الدهاء الأمني مع حنكة التعامل مع العقل البشري، لتحقيق الهدف، وهو إقناع القوم بالحجّة والبرهان، بأن ما يعبدون من دون الله أضعف من أن يكونوا آلهةً لهم، وأنّ مَن خَلقهم وخَلق هذه الآلهة المزعومة هو الله عز وجل، فهو وحده الذي يستحق العبادة!.. فهي دعوة للإيمان بالله وحده لا شريك له!..

هل كان يمكن لإبراهيم عليه السلام أن يفعل ما فعل، من غير خطة حمايةٍ كاملةٍ لنفسه، وهو الرجل الوحيد الذي يواجه أمّةً كافرة؟!.. وعندما واجه قومه وكُشِف سرّه ماذا كانت النتيجة؟!..

(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) (الأنبياء:68).

ولما همّوا بإحراقه، تدخّلت القدرة الإلهية لحمايته ونصره على الظالمين الجبارين الكافرين : (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) (الأنبياء:69 و70).

لقد اتّخذ إبراهيم عليه السلام كل الأسباب لنصر دينه ودعوته، وعندما خرج الأمر عن حدود قدرته البشرية المحدودة، تدخّلت القدرة الإلهية العظيمة، والهدف واحد في الحالتين : الحماية، وتحقيق الأمن الكامل للدعوة وأبنائها!.. فلنتأمّل!..
avatar
أميمة عرفات
مراقب عام
مراقب عام

عدد المساهمات : 1112
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

مُساهمة من طرف أميمة عرفات في الجمعة نوفمبر 25, 2011 1:56 am

موسى عليه السّلام :

حربٌ أمنيةٌ ضاريةٌ مع الطّغاة :

الحرب بين الحق والباطل ضارية في طبيعتها، لأن الباطل يتوهم دائماً بما يملكه من قوةٍ ظاهريةٍ أن انتصاره من الأمور البدهية التي يصوّرها له الشيطان!.. والصراع بين أنصار الحق وأنصار الباطل هو صراع أمني في كثيرٍ من وجوهه الهامة، فإذا كان أبناء الحق وأنصاره يريدون نصر دينهم، وامتلاك أسباب هذا النصر، فعليهم أن يستوعبوا كل أسلوبٍ أمنيٍ حقيقي، ويطوّروا خبراتهم ووسائلهم، ليضمنوا تمكنهم من استيعاب الوجوه الأمنية للصراع، وهو من الأمور التي لا بدّ منها إن أرادوا حسم الصراع لصالح الحق والدعوة الإسلامية، وقصة موسى عليه السلام تُعتبر مثالاً واضحاً على ما نقول!..

فهناك باطل وظلم يتمثّل في الطاغية فرعون: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:4) .. وبالمقابل، هناك حق وعدل وحكم بمنهج الله عز وجل يتمثّل في دعوة النبي موسى عليه السلام: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (القصص:43).

لقد بدأ الصراع بوجهٍ أمنيٍ واضح، حيث أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلّمنا منه دروساً أمنيةً بالغة الدقّة والدلالة: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7) .. فالله عزّ وجلّ أراد أن يكون موسى عليه السلام حامل لواء الحق، وزعيم الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فَحَمَاه منذ الولادة بأسلوبٍ أمنيٍ نفّذته أم موسى، بعد أن ألهمها الله أن تفعل ما تفعل لحماية وليدها الحاليّ، وزعيم الدعوة الربانية في المستقبل!.. وكانت كيفية الحماية لا تخلو من الدقّة والمخاطرة في نفس الوقت: (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طـه:39) ..

والله جلّ وعلا الذي ألهم أم موسى تنفيذ الشق الأول من خطة الحماية .. سخّر امرأة فرعون لتنفيذ الشق الآخر من هذه الخطة: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (القصص:9).

وكان من تدبير الله عز وجل وعظيم حكمته، أن يُرَبّى موسى عليه السلام في حِجْر فرعون، فكان هلاكه وزوال طغيانه على يديه عليه الصلاة والسلام!.. ولعلّنا نلمس كم يحتاج تنفيذ هذه الخطة الأمنية الدقيقة إلى الصبر والحنكة والحكمة والسرّية والحسّ الأمني المرهف .. أليست هي الخطة التي بموجبها تنبت بذرة الحق في أرض الباطل وتربته؟!..

وتستمر الخطة الأمنية الرائعة، فترسل أم موسى ابنتها لتكون عَيناً ترصد تصرفات فرعون وأسرته، وتَتّبِع أثر أخيها موسى وتتقصّى أخباره: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ..) (القصص: من الآية 11) .. فماذا فعلت أخت موسى عليه الصلاة والسلام؟!.. هل تصرّفت بما يلفت الانتباه إليها وإلى خطّتها ومبتغاها؟!..

(.. فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (القصص: من الآية 11) .. نعم، فقد احتالت على الظرف المحيط، فاستطاعت رؤية أخيها بمخاتلةٍ ذكيةٍ من غير أن يشعر بها أحد من الأعداء أو أن يشعر أحد من الظالمين أنها أخت موسى، وأنها تقوم بالاستطلاع ورصد أخباره بكل دقة!..

وعندما منع الله موسى أن يرضع من المرضعات: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِع ..) (القصص: من الآية 12) .. عندئذٍ تدخلت الأخت في الظرف المناسب والوقت المناسب: (.. فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)؟!.. (القصص: من الآية 12) .. يقول ابن عباس: (لما قالت أخته: وهم له ناصحون، أي: مشفِقون، شكّوا في أمرها وقالوا: وما يدريكِ بنصحهم وشفقتهم عليه؟!.. فقالت: لرغبتهم في سرور الملك!.. فأطلقوها)!..

وهكذا فابن الدعوة الإسلامية حصيف ذكي، يعرف كيف يتصرف في كل المواقف، ويعرف كيف يخرج من المآزق بكل دهاءٍ وحنكةٍ .. كما فعلت أخت موسى عليه السلام!..

وكان تأييد الله عز وجل حاضراً بأبهى صوره وأبلغ آثاره: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (القصص:13) .. فلما قَبِلَ موسى ثديها، أحسنت إليها امرأة فرعون وأَجْرَتْ عليها النفقة والكساوي -كما قال ابن عباس- .. فكانت تُرضع ولدها وتأخذ عليه الأجر من عدوّه!..

إنه تدبير الحكيم العليم الذي ينصر عباده الصالحين، ويؤيّد المجاهدين العاملين في سبيله إلى يوم الدين بعد اتخاذهم أسباب القوّة والمنعة المعنوية والمادية!..

ويستمر السير في طريق الدعوة، ويستمر -نتيجة ذلك- تأييد الله عزّ وجلّ للمؤمنين الصادقين، فيكبر موسى عليه السلام، ويترعرع، ويشتدّ عوده، ويقوى .. أين كل ذلك؟!.. في ظل عدوّه الطاغية: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (القصص:14).

ولما عرف موسى الحق في دينه، عاب ما عليه قوم فرعون من عبادة غير الله عزّ وجلّ، ففشى أمره بين القوم، فأخافوه، فخاف منهم .. وهذا ما أدى إلى اتّباعه أسلوباً أمنياً صرفاً في التعامل مع الباطل وأهله ليحمي نفسه ويحمي دعوته: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ..) (القصص: من الآية 15) .. أي أنه عليه السلام كان يدخل مدينة مصر الكبرى مستخفياً: (عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ) -كما قال المفسّرون- .. فانظر إلى هذا التعبير القرآني العميق!.. وانظر إلى ذلك الأسلوب الأمنيّ الدقيق، الذي اتّبعه نبي الله موسى عليه صلوات الله وسلامه! ..

ويُمتَحن عليه السلام امتحاناً آخر، فيقتل رجلاً من قوم فرعون بلا قصدٍ، وتشتدّ المحنة .. ويلجأ موسى إلى ربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (القصص:16) .. ثم يتخذ ما يجب عليه من أسباب الحماية والحذر، ويخبره أحد المتعاونين معه من المخلصين له، بسرٍّ خطير، هو تآمر القوم لقتله: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) (القصص:20) .. وما كان منه عليه السلام إلا أن امتثل لما يقتضيه الظرف من حوله، بهدف حماية نفسه، وحماية دعوته إلى الله عزّ وجلّ : (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:21).

لعلّنا نلاحظ روعة التعبير القرآني، عن حالة الهارب المهاجر في سبيل الله، الذي يَحْذَرُ العدوَّ ويتيقّظ له: (.. خَائِفاً يَتَرَقَّبُ ..)، ومن ثم الاتكال على الله سبحانه وتعالى، فهو وحده الحامي، والملاذ الآمن: قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ..)!..

وتستمر الدعوة إلى الله عز وجل، بحمايته سبحانه وتأييده، ويعود موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه بعد سنين طويلة، يحمل الدعوة في قلبه ويبشّر بها بلسانه، ويفديها بروحه، ويرفع لواءها بشجاعةٍ لا مثيل لها .. ويعود الصراع مع الباطل إلى ذروته، وينوي الطاغية فرعون قتل موسى عليه السلام، وهو شأن كل الطواغيت الذين يفلسون من كل حجّةٍ وبرهان، ولا يجدون إلا البطش وسيلةً لإسكات صوت الحق: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26).

ويُظهِر لنا القرآن الكريم الوجه الأمني للصراع بكل وضوح: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ..) (غافر: من الآية 28) .. ثم يقول الرجل المؤمن عن موسى عليه السلام: (.. وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر: من الآية 28) .. ولعلّنا نلاحظ التعبير القرآني الدقيق في الدلالة على الحالة الأمنية في الصراع : (.. يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ..)، فالرجل المؤمن بالله عز وجل وبدعوة نبيّه موسى عليه السلام .. في الحقيقة، هو من مؤيدي فرعون في الظاهر وحسب: (.. وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ..)!.. هذا الرجل الذي يخفي إيمانه، يخترق القوم ويعلم بكل ما يدور بينهم، ثم يعمل على تخذيلهم عن موسى عليه السلام، وعن أنصار الحق، وبأسلوبٍ أمنيٍ بارعٍ لا يتقنه إلا أصحاب القضية المنافحون عنها، الذين يبذلون ما يستطيعون من طاقاتهم في سبيل حماية دعوتهم، هذه الحماية التي تكفل الاستمرار في السير على الطريق الشاقة، لبلوغ الهدف الكبير!..

فالسرّية، والكتمان، والاختراق، والرصد، والتنسيق مع القيادة وأولي الأمر لحماية الدعوة وتأمين سيرها الحثيث نحو أهدافها،.. كل ذلك من أهم الأساليب الأمنية التي ينبغي أن يتسلّح بها أبناء الحركة الإسلامية، فهل نعقل؟!.. وهل نفعل؟!..

وبفضل هذا الإتقان في استيعاب استحقاقات الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والعمل بموجبها بأقصى طاقةٍ ممكنة .. ينصر الله عزّ وجلّ المؤمنين به، العاملين في سبيله .. وهكذا نصر الله سبحانه جل وعلا موسى عليه السلام على الطغيان والظلم والجبروت: (فَأَخَذْنَاهُ [ أي فرعون] وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (القصص:40) .. وانتهت بذلك قصة صراعٍ مريرٍ طاحنةٍ ضاريةٍ .. بين الحق والباطل، كان ركنه الأساس صراعاً أمنياً .. فلنتأمّل!..
avatar
أميمة عرفات
مراقب عام
مراقب عام

عدد المساهمات : 1112
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

مُساهمة من طرف أميمة عرفات في الجمعة نوفمبر 25, 2011 2:01 am

سُليمانُ عليه السلام :

عِبَرٌ ودروسٌ أمنيةٌ لا تُنسَى :

كما في القصص السابقة، فإن قصة سيدنا سليمان عليه السلام تزخر بالمعاني والعبر الأمنية التي تُعلّمنا وتُعلّم الأجيال إلى يوم الدين، أنّ العمل الأمني الإسلامي، من الأعمال المهمة التي ينبغي للمسلم أن يتقنها ويطوّر أساليبها لكي يستطيع التعامل مع كل الظروف التي تحيط به أو تطرأ عليه .

وسليمان عليه السلام هو النبي الذي سخّر الله له الجنّ والإنس والحيوان لعمارة الأرض وإقامة شرع الله سبحانه وتعالى فيها .. فلا عجب إذا عرفنا أنه عليه السلام كان يتعامل مع الطير والنملة، وغير ذلك من مخلوقات الله المسخّرة له بقدرته عزّ وجلّ .



الهدهدُ جنديٌّ مخلصٌ ، وعينٌ أمنيةٌ لا تخطئ :

فقد بادر (الهدهد) إلى الاستطلاع، وجمْع المعلومات، وعندما لاحظ أهميتها وخطورتها، سارع لإخبار قيادته (سليمان عليه السلام) الذي يمثّل أولي الأمر الذين يعملون في سبيل الله:

(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ) (النمل:22)

والنبأ هو الخبر الذي يتضمن أمراً هاماً أو خطيراً، ولا بدّ للبناء عليه أن يكون صحيحاً حقيقياً مُثبَتاً قاطعاً : (بنبأٍ يقين)، لأنّ المسلم لا يبني أموره إلا على اليقين من الأنباء، ولا يتصرف تصرفاً أو يتخذ موقفاً إلا بموجب أخبارٍ صحيحةٍ يقينية .. وهو مبدأ أمني أخلاقي عظيم!..

فما هو هذا الخبر الخطير الذي حمله الهدهد -العين الساهرة على أمن الدعوة- ؟!:

(إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) (النمل:23) فهناك في بلاد اليمن مملكة تحكمها امرأة هي (بلقيس)، وهم قوم يعبدون غير الله عز وجل!.. وهو أمر خطير وهام لا يمكن تأخير اتّخاذ الموقف بشأنه، إنهم يعبدون الشمس!..

كيف تعامل سليمان عليه السلام مع هذا النبأ؟.. لم يهمله، ولم يتخذ أي موقفٍ حتى تثبّت من صحّته وثبوته: (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (النمل:27) وبعد أن تحقق عليه السلام من صحة النبأ، اتخذ الموقف المناسب، الذي يتضمن تحقيق العبودية لله عز وجل في كل ركنٍ معروفٍ من الأرض آنذاك!.. ثم تؤمن الملكة بلقيس بالله سبحانه وتعالى، ويؤمن قومها، ويتحقق الهدف .. وكل ذلك بفضل الاستثمار الأمثل، لنبأٍ حمله جندي مخلص نابِهٌ: الهدهد!.. فهل يكون كل منا كالهدهد الحصيف النابه؟!..



نملةٌ حصيفةٌ تنقذُ أمّةَ النمل!..

كان سليمان عليه السلام قد جمع جنده من الإنس والجنّ والطير، وسار بهذا الجيش العظيم، ولما اقترب من الوادي -وادي النمل- .. شعرت بهم نملة، وعندما تيقّنت أن وجهتهم نحو الوادي الذي تسكن فيه أمّة النمل، سارعت إلى قومها محذّرةً منبّهةً:

(حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (النمل:18) فالخطر قادم!.. وهو يقترب، ونتيجته تحطيم أعضائكم بالأرجل وحوافر الدوابّ، ولو من غير قصدٍ منهم، ولا بدّ من الحماية، وقبل ذلك لا بدّ من التحذير والتنبيه إلى الخطر القادم .. وهكذا كان، حيث لجأت أمّة النمل إلى مساكنها الآمنة امتثالاً لتنبيهات (نملة الاستطلاع) التي نقلت الخبر، في الوقت المناسب، من غير تأخيرٍ ولا تسويف!.. فهل نتعلّم؟!..

يا ربّ آتنا من لدنك رحمةً

وهيّء لنا من أمرنا رشداً

وارزقنا الحكمة وحسن التدبير

ونوّر عقولنا وقلوبنا بنور الحق

واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه

اللهم آمين .. اللهم آمين
avatar
أميمة عرفات
مراقب عام
مراقب عام

عدد المساهمات : 1112
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي

مُساهمة من طرف أميمة عرفات في الأحد نوفمبر 27, 2011 4:09 am

الأمان والحرية

قال تعالى : { مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} (من الآية 99 ـ المائدة) ، ويبدأ الرسول ومَن تبعه يبلغون الناس رسالات ربهم ، فإن وجدوا مناخاً مناسباً ، ازدهرت دعوتهم ، لأنها دعوة الفطرة ،وإن وجدوا محاربة وإيذاء صبروا ، فدرب الدعوة مليء بالشوك والمصاعب ، فإن ازداد الإرهاب ، وكثر القتل ، والسجن ، والعذاب ، انتقلوا بدعوتهم المباركة إلى مكان أكثر أمناً ، وأوسع حريّة .

هذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يترك مكة بعد ثلاثة عشر عاماً إلى المدينة المنوّرة ،لأن أهل مكة ساموه وأصحابه سوء العذاب ، ووجد المدينة تمدّ إليه أيدي أبنائها الذين آمنوا بدعوته ، فخرج من مكة قائلاً : (( والله إنك لأحب أرض الله إليَّ ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجتُ )) ثم يعود إليها بعد ثماني سنوات فاتحاً ، ليرسي فيها دعائم التوحيد والإيمان .

وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو بمكة يرى أصحابه وهم يعذبون ، ويفتنون ، فيأمرهم بالهجرة إلى الحبشة (( فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد )) .

صور من الهجر قبل الإسلام :

ـ هذا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام يكسر أصنام قومه ، ويعلن ملّة التوحيد ، ويدعو الناس إليها ،فيجادله قومه ، فيحاجُّهم ويخرسهم ، فيرون موقفهم أمامه ضعيفاً ، ويخافون أن يؤمن به الدهماء ، فيقررون التخلص منه بالإحراق . لكن الله تعالى ينقذه من النار ، وتزداد شدّة الوطء عليه ، فيقرر الهجرة إلى الشمال ـ إلى حرّان ـ { وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي } (من الآية 26 ـ العنكبوت) ، ثم تبدأ الهجرة الثانية إلى فلسطين { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) }(الصافات) ، وهناك تنتشر الدعوة ويقوى عودها .

ـ وهذا موسى نبي الله الكليمُ يقتل نفساً من الأقباط دون قصد ، فيأتيه رجل يقول له : { وَجَاءَرَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) }(القصص) . ويتوجه تلقاء مدين ويسقي للفتاتين ، ويستدعيه أبوهما ، فيقص موسى عليه خبره ، فيقول له الرجل الصالح : { لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}(من الآية 25 ـ القصص) . ويجد الحرية والأمان في مدين ، ويربّيه الله تعالى على عينه ، ليعود إلى فرعون داعياً ، وإلى بني إسرائيل منقذاً .

ويرى موسى عليه السلام وقومُه ، الصدَّ والإيذاء والاستعباد ، فيقررالهجرة إلى الشام مرة أخرى ، ولكن مع قومه من بني إسرائيل ، لأنه هذه المرّة لم يعد مسؤولاً عن نفسه فقط ، بل عن قومه أيضاً ، فهو النبي المرسل إليهم . . والله تعالى هو الذي أمره بالهجرة الآن ، فما عاد فرعون وقومه يطاقون ، قال تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) }(الشعراء) وينجي الله موسى وقومه ، ثم يُغرِقُ فرعون وجنده .

ـ وأهل الكهف أعلنوا كفرهم بالأوثان ، وإيمانهم بهدى الرحمن ، وتوحيدالديّان ، فاغتاظ الملك ، وأمرهم أن يعودوا إلى الكفر أو يقتلوا . . فتبدأ هجرتهم إلى الله تعالى ، ويلجأون سراً إلى كهف قريب من مدينتهم ، كي ينطلقوا بعد ذلك في أرض الله الواسعة ، ويبحث عنهم الملك وأعوانه ، فلايرونهم ، ويلقي الله تعالى عليهم النوم { ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا }(من الآية 25 ـ الكهف) فتكون هذه هي هجرتهم الطويلة ، التي ضربها الله مثلاً رائعاً لمن كان يرجو الله واليوم الآخر . ويكون الكهف أماناً لهم ، ورحمة من الله تكتنفهم ، وتنشر عليهم ظلالها ، وتهيء لهم الأمان ، والهدوء ،والسكينة : { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَايَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16)}(الكهف) .

فوائد الأمان والحرية :

1ـ إمكانية العبادة لله سبحانه دون عوائق تُذكر، قال الله تعالى محدداً فائدة الانتقال إلى المكان الآخر : { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56)}(العنكبوت) .

2ـ الحصول على الرزق الواسع ، وإغاظة العدو الذي لم يستطع كبح الدعاة المؤمنين : { وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً }(من الآية 100ـ النساء) .

3ـ رضى الله عنهم ، لأنهم تركوا ديارهم ليأمنوا على دينهم ، تركوا الارض التي أحبوها ليمارسوا شعائر دينهم ، بحرية ، ويدعوا إليه دون رقيب وإيذاء، أفلا يستحقون فضل الله وعفوه وكرمه ؟ { لِلْفُقَرَاءِالْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (}(الحشر) .

4ـ كما أن لهؤلاء الخير في الدنيا ـ وهذه مثوبة سريعة ـ ولهم في الآخرة الأجر الكبير: { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)}(النحل) .

5ـ تكفير السيئات ، ودخول الجنة ، والثواب الجزيل فيها ، قال تعالى : { فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ } (من الآية 195ـ آل عمران) .

ـ بل إن الملائكة المكلفة بأخذ الأرواح تقول للذين استكانوا إلى الظلمة ، ولم يخرجوا إلى أرض أخرى يقيمون فيها شعائر دينهم ، فصاروا أداة قمع في أيدي هؤلاء الظلام ، هؤلاء الملائكة يوبخونهم : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)} (النساء) .

ـ ومن الجدير بالذكر أن الذين آمنوا ولم يهاجروا في سبيل الله ،ورضوا أن يعيشوا في ظل القهر ، لا ينبغي أن نواليهم أو نصادق منهم أحداً ،حتى يحققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد في سبيل الله . قال تعالى : { فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ }(من الآية 89 ـ النساء) ، فالمؤمن لا يكتمل إيمانه حتى يفاصل الأعداء ويكون قادراً على التعبير عما في نفسه ، محققاً أوامر الله ، منتهياً عما نهيَ عنه حين يكون في دار الأمان والحريّة ، ، وتاريخ الأنبياء والرسالات أوضح أمثلة على ذلك وعلى هذا نفهم قول الله تعالى : { وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }(من الآية 72ـ الأنفال) .

فالمسلمون ثلاثة أقسام :

المهاجرون : فهم الأصل، لأنهم هجروا الديار والاوطان ابتغاء رضوان الله .

الأنصار : فهم نصروا الله ورسوله ، وجاهدوا بالنفس والمال ، وبين هذين الطرفين الولاء والنصرة .

المؤمنون الذين لم يهاجروا : حُرِموا الولاية حتى يهاجروا في سبيل الله .

إن البحث عن دار الأمان ، والإنتقال إليها ، ليمارس الإنسان حريته في عبادة الله تعالى أساس لرضوان الله تعالى ، ذلك الرضوان والقبول عظيم لميحدّده رب العزة إنما جعل تقديره ـ وهو عظيم ـ في علمه ، وكرمه وجوده سبحانه وتعالى حين قال : { وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ }(من الآية 100 ـ النساء) .

1ـ تركُ البيت ـ وهو ملاذ الإنسان الذي بناه ، وأتعب نفسه للحصول عليه ـ دليل على بيع الدنيا ولذاتها ، والانتقال إلى أرض غريبة بعيدة عن الوطن والأهل والذكريات لإقامة منهج الله سبحانه في دار الأمان والاطمئنان .

2ـ واللجوء إلى الله تعالى ، ومتابعة رسوله الكريم ، دليل آخر على الطاعة والولاء ، وبيع النفس والنفيس لهذه الدعوة المعطاة .

3ـ الثواب بناءً على هذا عظيم جليل ، يوازي هذا العطاء ، الذي بذله المؤمن عن رغبة وطواعية ، إنه ترَك متاع الحياة الزائلة ، فحق له أن ينال الأجرالكبير ، الذي يصدر عن الإله الكبير ، وما بعطبه الجليل لا شك أنه جليل .
avatar
أميمة عرفات
مراقب عام
مراقب عام

عدد المساهمات : 1112
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 23/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى